
عندما انفصلت هونور عن هواوي في نهاية 2020، كان السؤال وقتها يدور حول قدرتها على البقاء أصلًا. العلامة التي بدأت كذراع تستهدف الشباب والهواتف ذات الأسعار التنافسية وجدت نفسها فجأة مطالبة ببناء علاقاتها مع الموردين وتطوير منتجاتها وهويتها الدولية بعيدًا عن الشركة التي صنعت اسمها.
بعد أكثر من خمس سنوات، تغير السؤال تمامًا. لم يعد النقاش هل ستبقى هونور في سوق الهواتف، وإنما هل وصلت إلى المستوى الذي كانت هواوي تخطط له عندما كانت العلامتان تعملان تحت مظلة واحدة؟ وهل تحولت من علامة اقتصادية وشبابية إلى منافس حقيقي في الهواتف الرائدة والقابلة للطي؟
الإجابة السريعة
يمكن القول إن هونور حققت جزءًا مهمًا من الطموح الذي بدأ في عصر هواوي، خصوصًا في بناء هواتف رائدة، دخول سوق الأجهزة القابلة للطي، والتوسع العالمي مع الاحتفاظ بخدمات جوجل. لكنها لم تصبح بديلًا مباشرًا لهواوي؛ فالشركتان تسيران الآن في مسارين مختلفين، وهواوي نفسها استعادت قوتها داخل الصين، بينما تحقق هونور بعضًا من أفضل نتائجها في الأسواق الدولية مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.
القصة بدأت كعلامة فرعية لهواوي
أطلقت هواوي هونور في 2013 لتخاطب شريحة أصغر سنًا وتعتمد بدرجة كبيرة على البيع عبر الإنترنت وتقديم مواصفات قوية بسعر أقل من هواتف Huawei الرئيسية.
الاستراتيجية نجحت سريعًا. وبحلول وقت البيع في 2020، قالت هواوي إن العلامة كانت تشحن أكثر من 70 مليون هاتف سنويًا. لكن العقوبات الأمريكية التي أثرت على وصول هواوي إلى مكونات وتقنيات أمريكية امتدت عمليًا إلى Honor لأنها كانت جزءًا من المجموعة.
في نوفمبر 2020 أعلنت هواوي رسميًا بيع جميع أصول Honor إلى Shenzhen Zhixin New Information Technology، وأكدت أنها لن تمتلك أي أسهم أو تشارك في الإدارة والقرارات بعد إتمام الصفقة. يمكن مراجعة بيان هواوي الرسمي عن بيع هونور.
الانفصال أعاد لهونور أهم سلاح عالمي
واحدة من أكبر العقبات التي واجهت هواوي خارج الصين كانت فقدان إمكانية تقديم خدمات Google Mobile Services بصورة رسمية على هواتفها الجديدة بعد القيود الأمريكية.
جوجل أوضحت أن القيود منعتها من التعاون مع هواوي في الأجهزة الجديدة وتوفير متجر Google Play وخدماتها الأساسية عليها.
بعد استقلال هونور، تغير الوضع بالنسبة لها. استطاعت العودة إلى التعامل مع شركات أمريكية وموردي الشرائح، وعادت خدمات جوجل رسميًا إلى هواتفها الدولية.
هذه النقطة وحدها أعطت Honor فرصة كانت شبه مستحيلة أمام Huawei في عدد كبير من الأسواق الأوروبية والعربية: تقديم هاتف يحمل كثيرًا من المدرسة التصميمية والتقنية الصينية، لكنه يعمل في الوقت نفسه كتجربة Android كاملة مع Play Store وGmail وYouTube وGoogle Maps.
لكن هونور لم تعد نسخة رخيصة من هواوي
لو توقفت قصة هونور عند الهواتف المتوسطة، لكان من الصعب وصف ما حدث بأنه تحقيق لطموح كبير. لكن الشركة دفعت تدريجيًا سلسلة Magic إلى الفئة الرائدة، وبدأت تنافس في الكاميرات والشاشات والبطاريات والذكاء الاصطناعي.
التحول الأوضح ظهر في الأسعار أيضًا. Honor أصبحت تبيع هواتف تتجاوز بكثير الصورة القديمة لعلامة تركز على القيمة مقابل السعر فقط.
وهذا في رأينا واحد من أهم الاختبارات التي نجحت فيها الشركة: أن يقبل المستهلك وضع اسم Honor بجوار Samsung وApple وHuawei عند التفكير في هاتف رائد، وليس فقط عند البحث عن هاتف متوسط.
الهواتف القابلة للطي كانت اختبار النضج الحقيقي
دخول سوق الهواتف القابلة للطي أصعب بكثير من إصدار هاتف Android تقليدي جيد. المفصل، سمك الجهاز، الشاشة المرنة، البطارية وإدارة الحرارة كلها تحتاج إلى خبرة هندسية كبيرة.
وهنا استطاعت هونور أن تنتقل من مجرد المشاركة إلى المنافسة الفعلية بسلسلة Magic V. وفي 2026 أصبحت أجهزتها القابلة للطي من المنتجات التي تنافس مباشرة في القطاع الفاخر.
هذا التطور له دلالة خاصة لأن Huawei كانت واحدة من أول الشركات الصينية التي دفعت بقوة نحو الهواتف القابلة للطي. وبالتالي يمكن اعتبار نجاح Honor في هذا القطاع امتدادًا لفكرة كانت موجودة منذ سنوات، حتى لو أصبحت الشركتان مستقلتين تمامًا الآن.
2026 يقدم دليلًا قويًا من الشرق الأوسط
إذا أردنا الابتعاد عن الانطباعات والنظر إلى الأرقام، فالشرق الأوسط يقدم واحدة من أقوى قصص هونور حاليًا.
وفق بيانات Omdia التي أعلنت عنها الشركة في يوليو 2026، وصلت Honor إلى المركز الثاني بين شركات الهواتف الذكية في الشرق الأوسط خلال الربع الأول من العام للمرة الأولى، وسجلت نموًا سنويًا بلغ 73% في المنطقة.
وقالت الشركة أيضًا إن نموها العالمي في الربع الأول بلغ 25%، مع توسع واضح في الفئة المتوسطة العليا والرائدة. يمكن مراجعة بيان HONOR وبيانات Omdia الخاصة بالشرق الأوسط.
هذه الأرقام مهمة لأن نجاح علامة صينية خارج سوقها المحلي هو الاختبار الأصعب عادة، خصوصًا في فئة الهواتف التي تتجاوز أسعارها الفئة الاقتصادية.
والنمو لا يتوقف عند المنطقة العربية
خلال النصف الأول من 2026 ظهرت هونور كواحدة من الشركات القليلة التي حافظت على نمو الشحنات رغم ضعف سوق الهواتف العالمي.
التقديرات المنشورة للنصف الأول من العام تشير إلى نمو شحناتها عالميًا بنحو 9%، مع قفزات أقوى في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
وفي بعض الأسواق الآسيوية استطاعت الشركة أيضًا تحقيق حصة قوية جدًا داخل قطاع الهواتف القابلة للطي، وهو مؤشر أهم من مجرد بيع أعداد كبيرة من الهواتف الرخيصة.
المفارقة: هونور تتقدم عالميًا بينما تتراجع نسبيًا في الصين
هنا تصبح المقارنة مع هواوي أكثر تعقيدًا.
وفق IDC، استحوذت Huawei على 22.6% من سوق الهواتف في الصين خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة سنوية قدرها 19.4%، بينما بلغت حصة Honor نحو 11.3% مع انخفاض شحناتها 9.5% على أساس سنوي.
وبيانات Omdia للربع نفسه وضعت Huawei أيضًا في صدارة السوق الصيني بحصة تقارب 23%.
إذن لا يمكن القول إن هونور أخذت مكان هواوي. الذي حدث أكثر إثارة للاهتمام: Huawei استعادت قوتها داخل الصين، بينما بنت Honor لنفسها طريقًا عالميًا مستقلًا.
هونور وهواوي الآن مشروعان مختلفان
هذه نقطة ضرورية لأن التشابه بين بعض الهواتف يجعل البعض حتى اليوم يتعامل مع هونور وكأنها لا تزال شركة تابعة لهواوي.
هذا غير صحيح منذ صفقة 2020. هواوي أعلنت صراحة عدم احتفاظها بأسهم أو تدخلها في إدارة الشركة بعد البيع.
كذلك أصبحت الفلسفة البرمجية مختلفة بمرور الوقت. Honor تعتمد عالميًا على Android مع واجهة MagicOS وخدمات جوجل، بينما دفعت Huawei بصورة متزايدة نحو منظومة HarmonyOS الخاصة بها.
IDC تتوقع وصول أجهزة HarmonyOS إلى نحو 62 مليون وحدة خلال 2026، وهو ما يبين أن Huawei تبني الآن مسارًا تقنيًا مستقلًا بصورة أعمق من أي وقت مضى.
من ورث طموح هواوي العالمي إذن؟
الإجابة تعتمد على معنى كلمة «ورث».
إذا كنا نقصد محاولة تقديم هواتف صينية متطورة تنافس Samsung وApple عالميًا مع نظام Android وخدمات Google، فإن هونور اليوم أقرب بكثير إلى النموذج الذي كانت Huawei تتبعه قبل العقوبات.
أما إذا كان المقصود الإرث التقني الكامل، من تصميم الشرائح إلى بناء نظام تشغيل ومنظومة خدمات مستقلة، فهواوي نفسها هي التي واصلت هذا الطريق، بل أصبحت أكثر استقلالًا عن Android وGoogle مما كانت عليه قبل سنوات.
لذلك ربما يكون الانفصال قد أدى بشكل غير مقصود إلى ظهور مشروعين بدل مشروع واحد.
ماذا احتفظت هونور من المدرسة القديمة؟
يمكن ملاحظة عدد من الأفكار التي كانت واضحة في منتجات Huawei وHonor القديمة: الاهتمام بالكاميرا، البطاريات الكبيرة، الشحن السريع، محاولة جعل الهاتف الرائد أرفع وأخف، والاندفاع المبكر إلى أشكال جديدة مثل الأجهزة القابلة للطي.
لكن هونور أصبحت أكثر حرصًا على بناء هوية مستقلة، خصوصًا في البرمجيات والذكاء الاصطناعي وتصميم سلسلة Magic.
التشابه التاريخي طبيعي لأن عددًا كبيرًا من خبرات الشركة وبنيتها الأولى نشأ داخل Huawei، لكن مرور أكثر من خمس سنوات يجعل تفسير كل منتج جديد باعتباره «هواوي باسم آخر» تبسيطًا غير دقيق.
الذكاء الاصطناعي أصبح ساحة المنافسة الجديدة
الصراع الحالي لم يعد حول عدد الكاميرات أو سرعة الشحن فقط. شركات الهواتف كلها تحاول تحويل الذكاء الاصطناعي إلى جزء من النظام والكاميرا وإدارة التطبيقات والإنتاجية.
وهنا تقدم هونور نفسها في السنوات الأخيرة باعتبارها شركة أجهزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد مصنع هواتف.
نجاح هذا التحول سيكون مهمًا لتحديد مكان الشركة خلال السنوات القادمة، لأن ميزة وجود خدمات Google لم تعد كافية وحدها. Samsung وGoogle وXiaomi وOPPO وغيرها تستثمر بقوة في المجال نفسه.
هل نجحت هونور في الكاميرات كما فعلت هواوي؟
Huawei صنعت لنفسها قبل العقوبات سمعة قوية جدًا في تصوير الهواتف، وكانت سلسلة P ثم Pura وسلسلة Mate تستخدم الكاميرا كواحدة من أهم نقاط البيع.
هونور اتجهت إلى المسار نفسه في سلسلة Magic، وأصبحت تستخدم مستشعرات عالية الدقة وعدسات تقريب متقدمة ومعالجة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
لكن الوصول إلى مستوى تقني مرتفع لا يعني بالضرورة امتلاك الأثر نفسه في السوق. Huawei في سنوات صعودها كانت من الشركات التي غيرت توقعات المستخدم من كاميرا الهاتف، بينما Honor اليوم تنافس داخل سوق أصبحت فيه الكاميرات الممتازة أمرًا متوقعًا من معظم الهواتف الرائدة.
ميزة لا تستطيع هواوي منافستها بها خارج الصين
هناك عامل عملي جدًا لا يمكن تجاهله: خدمات Google.
بالنسبة لمستخدم Android في مصر أو الخليج أو أوروبا، تشغيل Play Store وGoogle Maps وGmail والتطبيقات المصرفية والخدمات المرتبطة بـGoogle بصورة رسمية قد يكون شرطًا أساسيًا للشراء.
هذه هي المساحة التي تمتلك فيها هونور أفضلية واضحة على Huawei في الأسواق العالمية حاليًا.
ولفهم أهمية منظومة Android في انتشار الشركات المختلفة، يمكن الرجوع إلى مقال سوالف أندرويد كيف حقق نظام الأندرويد طفرة في أنظمة التشغيل.
وماذا عن الأسعار؟
صعود Honor إلى الفئة العليا جاء بتكلفة واضحة: أسعار بعض هواتفها الرائدة لم تعد بعيدة عن Samsung وApple وغيرهما.
وهذا قد يكون أكبر اختلاف بين هونور الحالية وصورتها القديمة. العلامة لم تعد تقول للمشتري دائمًا «سنعطيك المواصفات نفسها بسعر أرخص بكثير»، وإنما تحاول إقناعه بأنها تستحق السعر المرتفع بنفسها.
الانتقال أصعب تسويقيًا، لكنه ضروري إذا كانت الشركة تريد هوامش ربح تسمح باستثمارات أكبر في البحث والتطوير والهواتف القابلة للطي والتقنيات الجديدة.
مصر أصبحت جزءًا من خطة التوسع أيضًا
خلال أبريل 2026 ناقشت هونور مع وزارة الاتصالات المصرية خطط توسيع تصنيع الهواتف في مصنع بمدينة العاشر من رمضان، مع هدف دعم السوق المحلي وزيادة فرص التصدير إلى أسواق مجاورة.
الخطوة مهمة لأنها توضح أن توسع الشركة في المنطقة لم يعد يعتمد على الاستيراد والتسويق فقط، بل يمتد إلى التصنيع المحلي وبناء سلاسل إمداد أقرب إلى الأسواق المستهدفة.
أين لم تحقق هونور طموحات هواوي بعد؟
هناك ثلاثة مجالات على الأقل لا تزال المقارنة فيها تميل لصالح Huawei التاريخية أو الحالية.
الأول هو الحجم العالمي. Huawei وصلت قبل العقوبات إلى منافسة Samsung على صدارة سوق الهواتف بالكامل، بينما Honor لم تصل حتى الآن إلى هذا المستوى.
الثاني هو الاستقلال التقني العميق. Huawei تطور شرائح ومنظومة HarmonyOS ومجموعة ضخمة من البنية التحتية للاتصالات، بينما تعتمد هونور بدرجة أكبر على منظومة Android وموردي الشرائح العالميين مثل Qualcomm وMediaTek.
والثالث هو قوة العلامة في الصين، حيث توضح أرقام 2026 أن Huawei عادت إلى الصدارة بينما تواجه Honor منافسة شديدة.
لكن النتيجة بعد خمس سنوات أفضل مما كان متوقعًا
لو عدنا إلى نوفمبر 2020، كان بيع Honor يبدو إلى حد كبير عملية إنقاذ لسلسلة الموردين والموزعين من تداعيات العقوبات المفروضة على Huawei.
اليوم أصبحت هونور شركة تطلق هواتف رائدة وقابلة للطي، وتنافس في عدد من الأسواق الدولية، وتحقق نموًا قويًا في الشرق الأوسط وتوسع التصنيع في دول مثل مصر.
مجرد الوصول إلى هذه المرحلة يعني أن الانفصال نجح تجاريًا وتقنيًا بدرجة كبيرة، حتى لو لم تتحول Honor إلى الشركة الأولى عالميًا.
هل حققت هونور طموحات هواوي فعلًا؟
الإجابة الأقرب من زاوية سوالف أندرويد هي: نعم جزئيًا، ولكن بطريقة لم تكن مخططة أصلًا.
هونور أخذت جزءًا من الفكرة التي كانت Huawei تبنيها قبل العقوبات: شركة صينية تستطيع بيع هواتف متطورة عالميًا، استخدام Android وخدمات Google، الدخول في الفئة الفاخرة ومنافسة الأسماء الكبرى.
لكن Huawei لم تسلم الراية ثم تختفِ. على العكس، استعادت صدارة السوق الصيني في 2026 وواصلت بناء HarmonyOS وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.
النتيجة أن الشركتين اللتين كانتا في يوم من الأيام داخل بيت واحد أصبحتا تمثلان استراتيجيتين مختلفتين تمامًا: Huawei تراهن على الاستقلال التقني والمنظومة الخاصة، بينما تراهن هونور على المنافسة العالمية داخل منظومة Android.
ولو كان معيار النجاح هو أن تستطيع Honor الوقوف وحدها بعد الانفصال، فالاختبار حُسم منذ فترة. أما الاختبار الأصعب الآن فهو: هل تستطيع أن تنتقل من علامة ناجحة وسريعة النمو إلى واحدة من الشركات التي تحدد اتجاه سوق الهواتف نفسه؟ السنوات القادمة هي التي ستجيب عن هذا الجزء.




